tg-me.com/aalqarni1/111
Last Update:
من الظواهر الغريبة التي بدأت تتسلل إلى تقريرات بعض طلاب العلم الخلل المنهجي في التعامل بتسامح ظاهر ، أو حتى بما قد يفهم منه القبول والاعتماد على علوم الفلسفة المشائية والمنطق الأرسطي وعلم الكلام ، مع ما هو معلوم من التباين المنهجي بين هذه العلوم والعلوم الشرعية .
فالفلسفة المشائية في حقيقتها مباينة لعلوم أهل الإسلام مناقضة لأصولها ، وعندهم أن العقل مستقل عن الوحي وغير محتاج إليه ، حتى إنهم اختلفوا في المفاضلة بين النبي والفيلسوف ، فمنهم كالفارابي من فضل النبي على الفيلسوف باعتبار أن الفيلسوف يقرر الحقيقة كما هي وأما النبي فيأتي بما يرمز إليها ولا يصرح بها ، ومنهم كابن سينا من فضل النبي لكونه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة ، ونصوص الوحي عند بعضهم كابن رشد لها ظاهر يناسب العامة وباطن لا يطلع عليه إلا أهل البرهان ، وحقيقة تلك المعاني التي يدعون أنها برهانية هي ما وافق ما تقرر في فلسفتهم المشائية ، وهذا ما دعى الإمام ابن تيمية إلى أن يطلق عليهم في أول كتاب الدرء وصف أهل التخييل .
فلا يمكن مع هذه المنهجية ومع ما تفرع عنها من الخوض في أصول الاعتقاد أن ينظر إلى طريقتهم بما يشعر بأهميتها ، أو أن عندهم من العلم ما يحتاج طالب العلم إلى تحصيله والبناء عليه .
وأما المنطق الأرسطي فليس مما يحتاجه المسلمون في علومهم ، بل ولا أحد من الناس يحتاج إليه ، فكما هو معلوم فمنطق أرسطو مرتبط بميتافيزيقا أرسطو ، ولهذا يؤكد علي سامي النشار في كتابه في مناهج البحث على الترابط بين موقف المسلمين من منطق أرسطو وبين موقفهم من ميتافيزيقاه ، وهو نفس ما يكرره الإمام ابن تيمية من التلازم بين فساد أصولهم في الإلهيات وأصولهم في المنطق .
ثم إن المنطق الأرسطي لا ينتفع به ولا يستفاد منه شيء في مجال العلوم التجريبية ، ولهذا نجد أن العلم التجريبي الحديث لم يقم ولم يتقدم إلا على أنقاض المنطق الأرسطي ، وهذا ما يؤكد عليه برتراند رسل في كلامه عن منطق أرسطو في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية ، حيث يقرر أن " من أراد اليوم أن يدرس المنطق سيضيع وقته عبثا إذا درس أرسطو أو أي تلميذ من تلاميذه ، وأنه يكاد كل تقدم في العصر الحديث أن يكون قد خطا خطوته إلى الإمام في كفاح يقاوم به ما يبديه أشياع أرسطو من ضروب المقاومة " .
وأما علم الكلام فعلم دخيل على المنهج الإسلامي ، نشأ نتيجة التأثر بالمنهج الفلسفي ، فإذا كان المنهج الفلسفي المشائي يقوم على استقلال العقل عن الوحي فإن المنهج الكلامي يقوم على دعوى استقلال الاستدلال العقلي على أصول الاعتقاد فيما تثبت به النبوة ، فيكون إثبات النبوة عندهم هو منتهى العقليات ومبدأ السمعيات ، حسب تصنيفهم وتفريقهم بين العقليات والسمعيات .
وفرق كبير بين هذا الموقف من علم الكلام وبين ما قد يظن أنه يلزم منه رفض الاستدلال العقلي على أصول الاعتقاد ، إذ لا تلازم بينهما ، بل إن النصوص الشرعية قد تظمنت الدلائل العقلية التي تقوم بها الحجة بما لا يحتاج معها إلى غيرها ، فافتعال التباين بين الاستدلال العقلي وبين الاستدلال بالنصوص الشرعية مما ينافي حقيقة منهج الاستدلال بالنصوص على الوجه الشرعي الذي جاءت به .
وحاصل ما سبق أنه لابد لطالب العلم من تحقيق المفاصلة المنهجية بين العلوم الشرعية والعلوم الدخيلة عليها ، وأنه لو فرض أن هذه العلوم لم يكن لها وجود فليست الأمة محتاجة إليها ، بل إنه قد ترتب على وجودها وانتشارها في الأمة فساد عريض ، ومحادة ظاهرة لنصوص الشريعة وأحكامها ، وأن الناس محتاجون إلى من يبين لهم ما حصل بسببها من الضرر على العلوم الشرعية ، لا أنهم محتاجون إلى تقريبها وشرحها والدعوة إليها تحت ستار الحياد العلمي وتجنب ما يسمى بالرسالية في الموقف منها.
ويكفي مثالا لأهمية الصرامة في الموقف من هذه العلوم ما أعلنه الإمام الشافعي في عصره من الحكم على أهل الكلام بأن يضربوا بالجريد والنعال ، ويطاف بهم في القبائل والعشائر ، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأقبل على علم الكلام .
وهذا الحكم من الإمام الشافعي ليس حجرا وتضييقا لمجال البحث والنظر ، وإنما هو كف عما يلحق الأمة من ضرر محقق ، يترتب عليه الخلل في مصدرية التلقي عن النصوص الشرعية ، فلا يسوغ لنا في عصرنا أن نقبل بما هو أقل من الحد الأدنى من إعلان البراءة من كل منهج يزاحم صفاء العلوم الشرعية ، ويشوش على مصدرية النصوص الشرعية في التلقي والاستدلال .
BY قناة / عبدالله القرني
Warning: Undefined variable $i in /var/www/tg-me/post.php on line 283
Share with your friend now:
tg-me.com/aalqarni1/111